الشيخ محمد رشيد رضا
19
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ، فذكر البروج تفصيل لنظام الزمان ، وآية ألم . السجدة نفى فيها أن يكون لأحد من دونه ولي أو شفيع ، وقفى عليها بتدبير الامر من السماء إلى الأرض ينزل منه ثم يعرج اليه في يوم مقداره ألف سنة مما نعده ، وقال في آية الحديد ( يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها ) الخ وقد بينت في آخر تفسير آية الأعراف أن بعض المتكلمين تكلفوا تفسير السماوات السبع والكرسي والعرش العظيم أو تأويلهن بالافلاك التسعة عند فلاسفة اليونان المخالف للقرآن ، وان علم الفلك الأوربي قد نقض في القرون الأخيرة تلك النظريات الخيالية ، بالأدلة العلمية من رياضية حسابية هندسية ، ومن طبيعية عملية ، كتحليل النور وسرعته ووزن الحرارة ، وإن ما ثبت في علم الفلك الحديث ومباحث التكوين قريب من نصوص القرآن ، كبعده عما يخالف من نظريات اليونان ، وأزيدك هنا أن هذه الأرض في اصطلاح الهيئة القديمة هي مركز العالم كله ويحيط بها فلك القمر فهو سماؤها ويحيط به فلك عطارد فأفلاك الزهرة فالشمس فالمريخ فالمشتري فزحل ففلك النجوم كلها فالفلك الأطلس المحيط بكل ذلك فعلى هذا لم يخلق اللّه الا أرضا واحدة في قلب تسع سماوات ، والسماء في اللغة العربية ما سما وعلا فكل ما في جهة العلو فهو سماء ، ونقل الراغب عن بعضهم : كل سماء بالإضافة إلى دونها فسماء ، وبالإضافة إلى فوقها فأرض الا السماء العليا فإنها سماء بلا أرض وحمل على هذا قوله ( 65 : 17 اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ) والسبع مثل والعدد لا مفهوم له وأعجب من هذا أن العلم العصري بسنن التكوين العامة يرتقي في هذه الأجيال درجة بعد درجة ، وأن بعض ما ينكشف منها للعلماء من النظريات والأصول قد ينقض بعض ما سبقه منها ، ولكن لم ينقض شيء منها شيئا مما ثبت في القرآن ، على لسان النبي الأمي عليه الصلاة والسّلام ، فأصل السديم المشار اليه بقوله ( 41 : 11 ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ، قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ) وأصل خلق الاحياء النباتية والحيوانية من الماء ، لا يزال كل منهما ثابتا عند جميع العلماء وقد عبر به عن مادة التكوين التي هي مادة خراب العالم الذي ترجع به هذه